عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
124
اللباب في علوم الكتاب
الوجه الثاني : أن اللّه - تعالى - ورث بني إسرائيل أرض « مصر » لقوله : كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 59 ] وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها . فإن قيل : قد يكون الرجل مالكا للدّار وإن كان ممنوعا من دخولها كمن أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد ، فإنه يحرم عليه دخول داره ، وإن كانت مملوكة له ، فلم لا يجوز أن يقال : إن اللّه - تعالى - ورّثهم « مصر » بمعنى الولاية ، والتصرف فيها ، ثم إنه - تعالى - حرم عليهم دخولها بإيجابه عليهم سكنى الأرض المقدسة ؟ قلنا : الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل . وأجاب الفريق الأول عن حجّتي أبي مسلم . أما قوله « إن القراءة المشهورة بالتنوين يقتضي التخيير » . قلنا : نعم ، لكنا نخصّص العموم في حقّ هذه البلدة المعينة بما ذكرنا من الدليل . وأما الثاني : فإنّا لا ننازع في أن الملك لمطلق التصرف لكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر ، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمنا من الدّلائل . قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي : جعلت الذّلّة محيط بهم ، مشتملة عليهم ؛ كمن يكون في القبّة المضروبة ؛ قال الفرزدق لجرير : [ الكامل ] 541 - ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل « 1 » أو ألصقت بهم حتى لزمتهم كما يضرب الطّين على الحائط فيلزمه . ومن قال : إنها الجزية فبعيد ؛ لأن الجزية لم تكن مضروبة حينئذ . وقال بعضهم : هذا من باب المعجزات ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - أخبر عن ضرب الذّلّة والمسكنة عليهم ، ووقع الأمر كذلك ، فكان معجزة . و « الذّلّة » : الصّغار . والذّلّ بالضم : ما كان عن قهر ، وبالكسر : ما كان بعد شماس من غير قهر . قاله الراغب « 2 » . و « المسكنة » : مفعلة من السّكون ، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض ، لما به من الفقر ، و « المسكين » : مفعيل منه ، إلّا أن هذه الميم قد ثبتت في اشتقاق هذه الكلمة ، قالوا : تمسكن يتمسكن فهو متمسكن ، وذلك كما تثبت ميم « تمندل وتمدرع » من « النّدل » و « الدّرع » وذلك لا يدلّ على أصالتها ؛ لأن الاشتقاق قضى عليها بالزّيادة . وقال الراغب : قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ : فالميم في ذلك زائدة في أصحّ القولين .
--> ( 1 ) ينظر ديوانه : ( 2 / 715 ) ، القرطبي : 1 / 292 ، مجمع البيان : 1 / 272 ، ( الدر : 1 / 242 ) . ( 2 ) ينظر المفردات : 183 .